علي بن محمد البغدادي الماوردي

109

النكت والعيون تفسير الماوردى

قوله عزّ وجلّ : فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ : أما « الكلام » فمأخوذ من التأثير ، لأن له تأثيرا في النفس بما يدلّ عليه من المعاني ؛ ولذلك سمّي الجرح كلما لتأثيره في البدن ، واللفظ مشتق من قولك : لفظت الشيء ، إذا أخرجته من قلبك . واختلف في الكلمات التي تلقّاها آدم من ربّه على ثلاثة أقاويل : أحدها : قوله : رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ [ الأعراف : 23 ] وهذا قول الحسن ، وقتادة ، وابن زيد « 154 » . والثاني : قول آدم : اللهم لا إله إلا أنت ، سبحانك وبحمدك ، ربّ إني ظلمت نفسي ، فاغفر لي ، إنك خير الغافرين ، اللهم لا إله إلا أنت ، سبحانك وبحمدك ، إنّي ظلمت نفسي ، فتب عليّ ، إنّك أنت التواب الرحيم ، وهذا قول مجاهد . والثالث : أن آدم قال لربّه إذ عصاه : ربّ أرأيت إن تبت وأصلحت ؟ فقال ربّه : إني راجعك إلى الجنّة ، وكانت هي الكلمات التي تلقاها من ربه ، وهذا قول ابن عباس . قوله عزّ وجل : فَتابَ عَلَيْهِ ، أي قبل توبته ، والتوبة الرجوع ، فهي من العبد رجوعه عن الذنب بالندم عليه ، والإقلاع عنه ، وهي من اللّه تعالى على عبده ، رجوع له إلى ما كان عليه .

--> ( 154 ) وهذا القول رجحه الطبري رحمه اللّه تعالى ( 1 / 546 ) وقال عما سواه : وليس ما قاله من خالف قولنا هذا عليه من حجة يجب التسليم لها فيجوز لنا اضافته إلى آدم وأنه مما تلقاه من ربه عند إنابته إليه من ذنبه وهذا الخبر الذي أخبر اللّه عن آدم من قبله الذي لقاه إياه فقاله تائبا إليه من خطيئته تعريف منه جل ذكره جميع المخاطبين بكتابه كيفية التوبة إليه من الذنوب . . . الخ . هذا ولا يصح أن نبي اللّه آدم توسل بالحق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كما لا يصح أنه توسل بجاه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم .